أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

517

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

تقدّم عند قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا « 1 » أن « بدّل » يتعدّى لاثنين أحدهما بنفسه وهو البدل وهو الذي يكون موجودا وإلى الآخر بحرف الجر وهو المبدّل وهو الذي يكون متروكا ، وقد يحذف حرف الجرّ لفهم المعنى فالتقدير هنا : « ومن يبدّل بنعمته كفرا » ، فحذف حرف الجر والبدل لفهم المعنى . ولا جائز أن تقدّر حرف الجر داخلا على « كفرا » فيكون التقدير : « ومن يبدّل بالكفر نعمة اللّه » لأنه لا يترتّب عليه الوعيد في قوله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . وكذلك قوله : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ « 2 » تقديره : بسيئاتهم حسنات ، ولا يجوز تقديره : « سيئاتهم بحسنات » لأنه لا يترتّب على قوله : « إلا من تاب » . وقرئ « 3 » : « يبدل » مخففا ، و « من » لابتداء الغاية . و « ما » مصدرية ، والعائد من جملة الجزاء على اسم الشرط محذوف لفهم المعنى أي : العقاب له ، أو لأنّ « أل » نابت منابه عند الكوفيين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) قوله تعالى : زُيِّنَ : إنّما لم تلحق الفعل علامة تأنيث لكونه مؤنثا مجازيا ، وحسّن ذلك الفصل . وقرأ ابن أبي عبلة : « زيّنت » بالتأنيث مراعاة للفظ . وقرأ مجاهد وأبو حيوة : « زيّن » مبنيا للفاعل ، و « الحياة » مفعول ، والفاعل هو اللّه تعالى ، والمعتزلة يقولون : إنه الشيطان . وقوله : يَسْخَرُونَ يحتمل أن يكون من باب عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية ، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر ؛ فيكون من عطف المفردات ، لعدم اتّحاد الزمان . ويحتمل أن يكون « يسخرون » خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهم يسخرون فيكون مستأنفا ، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية . وجيء بقوله : « زيّن » ماضيا دلالة على أنّ ذلك قد وقع وفرغ منه ، وبقوله : « ويسخرون » مضارعا دلالة على التّجدّد والحدوث . قوله : وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ مبتدأ وخبر ، و « فوق » هنا تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون ظرف مكان على حقيقتها ، لأنّ المتقين في أعلى علّيّين ، والكافرين في أسفل سجّين . والثاني : أن تكون الفوقية مجازا : إمّا بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة ونعيم الكافرين في الدنيا . و « يوم » منصوب بالاستقرار الذي تعلّق به « فوقهم » . قوله : مَنْ يَشاءُ مفعول « يشاء » محذوف ، أي : من يشاء أن يرزقه . و « بغير حساب » هذا الجارّ فيه وجهان ، أحدهما : أنه زائد . والثاني : أنه غير زائد ، فعلى الأول لا تعلّق له بشيء ، وعلى الثاني هو متعلّق بمحذوف . فأمّا وجه الزيادة : فهو أنه تقدّمه ثلاثة أشياء في قوله : « واللّه يرزق من يشاء » الفعل والفاعل والمفعول ، وهو صالح لأن يتعلّق من جهة المعنى بكلّ واحد منها ، فإذا تعلّق بالفعل كان من صفات الأفعال ، تقديره : واللّه يرزق

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 59 ) . ( 2 ) سورة الفرقان ، آية ( 70 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 128 ) .